ابن الجوزي
104
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
وأظهرنا كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا ، فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد حبا لك منهم ، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك ، يمنعك الله تعالى بهم ، يناصحونك ويجاهدون معك . فدعى له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بخير ، وبني لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عريش فكان فيه ، ثم أقبلت قريش ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : « اللَّهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها ، تحاربك وتكذب رسولك ، اللَّهمّ فنصرك الَّذي وعدتني » . فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيهم حكيم بن حزام على فرس له ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : « دعوهم » . فما شرب منهم رجل إلا أسر أو قتل إلا حكيم بن حزام ، فإنه نجا على فرس له ، ثم أسلَّم ، فكان يقول إذا حلف : لا والَّذي نجاني يوم بدر . فلما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب اللخمي فقالوا : أحرز لنا أصحاب محمد ، فجال بفرسه نحو العسكر ، ثم رجع فقال : ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون ، ولكن أمهلوني حتى انظر أللقوم كمين ، فضرب في الوادي حتى أبعد ، فلم ير شيئا ، فرجع فقال : ما رأيت شيئا ، ولكني قد رأيت يا معشر قريش الولايا [ 1 ] تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، والله ما أرى أن يقتل منهم رجل حتى يقتل منكم رجالا ، فإذا أصابوا أعدادهم فما خير في العيش بعد ذلك ، فردوا رأيكم . فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى إلى عتبة فقال : يا أبا الوليد ، إنك كبير قريش وسيدها ، هل لك في أن لا تزال تذكر بخير [ إلى آخر ] [ 2 ] الدهر ؟ قال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالنّاس وتحمل دم حليفك [ 3 ] عمرو بن الحضرميّ . قال : قد فعلت . أنبأنا / الحسين بن محمد بن عبد الوهاب قال : أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة
--> [ 1 ] في أ : « رأيت معشر قريش الولايا » وفي ابن كثير « قريش البلايا » . [ 2 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل . [ 3 ] في ابن هشام : « وتحمل أمر حليفك » .